25 sources7 sections44% تقدير الأسلوب الآليمؤشرات أسلوبية آلية متوسطةالنسبة الأعلى تعني مؤشرات أسلوب آلي أكثر، والأقل تعني مؤشرات أقل. ليست احتمال هوية الكاتب.تغطية النص المفحوص: 100%
المفهوم العام للتسيير العمومي
يُعد التسيير العمومي، أو ما يُعرف بالإدارة العامة، مجالاً معرفياً ونظرياً ظهر ببعده الحالي كحقل دراسي مستقل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على يد أستاذ السياسة الأمريكية توماس وودرو ويلسون، الذي عرّفه بأنه "الغاية أو الهدف العملي للحكومة موضوعه إنجاز المشاريع العامة بأكبر قدر ممكن من الفعالية والإتفاق مع رغبات الأفراد وحاجاتهم". وقد تبنى هذا التعريف جيلينيي (Gélinier) الذي رأى أن التسيير العمومي هو "تنفيذ السياسة العامة للدولة عن طريق الإدارات العمومية"، بينما عرفه فوزي حبيش على أنه "مجموعة نشاطات وأعمال منظمة تقوم بأدائها قوى بشرية تعينها السلطات الرسمية العامة وتوفر لها الإمكانيات المالية اللازمة، بهدف تنفيذ الخطط الموضوعة لها وبالتالي تحقيق الأهداف العامة المرسومة لها، بأكبر كفاية إنتاجية وأقصر وقت وأقل تكلفة". كما أشار ماكنامارا (Mc Namara) إلى أن التسيير هو "الوسيلة التي يتم من خلالها التنظيم العقلاني لكل التغيرات الإنسانية الاجتماعية الاقتصادية، التكنولوجية والسياسية، حيث يتم نشر هذا التنظيم في المجتمع من خلال إدارة المنظمات العمومية". وتُظهر هذه التعاريف أن التسيير العمومي ليس مجرد تنفيذ للقرارات، بل هو عملية عقلانية تهدف إلى تحقيق الكفاءة الإنتاجية وتحقيق الأهداف العامة للمجتمع بأقل التكاليف وأقصر الأوقات، مع مراعاة رغبات وحاجات الأفراد.
خصائص التسيير العمومي الجديد
يُعرف التسيير العمومي الجديد بأنه "إدخال قيم وأنماط على الإدارة العامة من عمل المؤسسة الخاصة وأساليب وتقنيات مستوحاة أساساً من السوق" . وقدمه جاك شاينر على أنه يهدف إلى نقل أساليب التسيير الخاصة إلى المجال العمومي وتحويل نمط الإدارة وتقوية مسؤولية المسيرين وتحسين العلاقة مع المواطنين . أما دبليو برنراث فيصفه بأنه "مجموعة من العوامل المبتدعة في تسيير الإدارات العمومية تتصف أساساً بمقترب تسييري بعيد عن المقترب القانوني، وإرادة حول تركيز التسيير حول النتائج وإدخال عوامل تنافسية والأداء وتخفي النفقات والجودة" . يركز هذا النموذج على أربعة مبادئ أساسية: حل المشاكل في مستواها، المواطن الزبون، إرضاء الحاجات وتحسين الإجراءات، ودور العوامل السياسية . وينقل التسيير العمومي الجديد أساليب وتقنيات الإدارة المطبقة في القطاع الخاص إلى الإدارات العمومية للاستفادة منها في تقديم الخدمات العامة . وينقل التركيز من التحكم في المدخلات والإجراءات نحو قياس المخرجات والأداء، ويعتمد على مبادئ الفعالية والكفاءة وجودة الخدمة . كما ينقل النموذج المنظمات العمومية إلى وحدات، ويؤسس لمنافسة بين المنظمات وبين القطاعين العام والخاص، ويحول أدوات الإدارة الخاصة إلى العامة . وينقل إلى اللامركزية وإعادة تنظيم الهياكل الإدارية، ورقابة مالية فعالة، وتغيير نظرة الإدارة لتصبح شبيهة بالمقاولة . وينقل إلى تفويض الصالحيات والسلطات للمستويات الإدارية الدنيا، وتفضيل الملكية الخاصة، وأسلوب التعاقد للخدمات العمومية، والمنافسة في تقديم الخدمات . وينقل إلى ضرورة تغيير نظرة الإدارة أو الهيئة لتصبح شبيهة بالمقاولة، وتحويل أدوات وأساليب الإدارة من القطاع الخاص إلى العام . وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه شهد تحولات عميقة في العقود الأخيرة بفعل التطورات التكنولوجية والعولمة وتزايد توقعات المواطنين، مما أدى إلى ظهور نموذج جديد للإدارة العامة يقوم على مجموعة من المبادئ المشتركة التي تسعى إلى تحسين الأداء وتلبية احتياجات المواطنين بفعالية أكبر .
مقارنة بين الإدارة التقليدية والإدارة الحديثة
تُعد المقارنة بين الإدارة التقليدية والإدارة الحديثة من المدخلات المفاهيمية الأساسية لفهم التحول في التسيير العمومي، إذ توضح كل منهما توجهاً مختلفاً في التعامل مع الموارد وتنظيم العمل . في الإدارة التقليدية، يُقسم العمل وفق أهداف ومعايير غير واضحة، بينما تعتمد الإدارة الحديثة على تخطيط وأهداف محددة وواضحة للجميع . كما يعتمد التسلسل في الإدارة التقليدية على العاطفة والسن والمكانة والعلاقات الشخصية والقرابة، في حين يعتمد في الإدارة الحديثة على التنظيم والكفاءة والإنجاز، مع تراجع أهمية العلاقات الاجتماعية والمشاعر الإنسانية . وتُتخذ القرارات في الإدارة التقليدية في أغلبها وراء المصالح والعواطف والعلاقات الشخصية والفئوية، whereas في الإدارة الحديثة تُتخذ وفق المعطيات المتاحة والوقائع الموضوعية . تهتم الإدارة التقليدية اهتماماً كبيراً بالجوانب النفسية والاجتماعية وتخلط بين بيئة العمل والبيئة الاجتماعية، في حين تتعامل الإدارة الحديثة مع هذه الجوانب وتوظفها لخدمة رسالة المنظمة . ويتشابه سلوك المدير التقليدي داخل بيئة العمل كثيراً مع سلوكه داخل المنزل وفق قيم اجتماعية شائعة، بينما يكون سلوك المدير الحديث داخل بيئة العمل منضبطاً وموضوعياً . وتتحول الاجتماعات في الإدارة التقليدية إلى مجالات للترفيه عن النفس وتبادل الأخبار والقصص المسلية دون أدنى اهتمام بقيمة الوقت والإنجاز، whereas في الإدارة الحديثة وجود جدول زمني للاجتماعات محدد الأهداف والوقت . من ناحية الهيكل والرقابة، تركز الإدارة التقليدية على الهيكل الهرمي الصارم والرقابة المباشرة، بينما تسعى الإدارة الحديثة إلى تحقيق المرونة والابتكار من خلال مشاركة العاملين والتركيز على الجودة الشاملة . ويُعد التنظيم التقليدي تسلسلاً هرمياً صارماً وتوجيهاً من أعلى لأسفل مع قلة مشاركة الموظفين في صنع القرار، ويتميز بالجمود وعدم القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة، في حين يعتمد التنظيم الحديث على المرونة والعمل الجماعي والانفتاح على الأفكار الجديدة إضافة إلى استخدام التكنولوجيا في تسهيل العمليات وتحسين الأداء . كما تركز الإدارة الحديثة على العنصر البشري، إذ ترى أن العنصر البشري هو أهم مورد في المنظمة، لذلك تركز على تنمية وتطوير القدرات البشرية وتحفيز الموظفين على العمل بكفاءة وإنتاجية عالية . وتعتمد الإدارة الحديثة القيادة المشاركة والتركيز على الابتكار والإبداع، وتُوصف بأنها استباقية واستراتيجية وذات روح ابتكارية وإبداعية . وتُعد الإدارة الحديثة نقلة نوعية في عالم التنظيم والإدارة، حيث تقوم على مبادئ المرونة والإبداع والاعتماد على التكنولوجيا، بخلاف النمط التقليدي الذي يركز على الإجراءات الجامدة والتسلسل الهرمي الصارم، وتميل الأخيرة إلى تمكين الموظفين وتشجيع العمل الجماعي . وتُظهر هذه المقارنة أن كل نمط يعكس طبيعة العصر الذي نشأ فيه، وأن فهم الفرق بينهما ضروري لفهم الاختلاف الجوهري بين التنظيم التقليدي والتنظيم الحديث .
تستند الإدارة والتسيير العمومي الجديد إلى مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى تغيير أسلوب عمل الإدارات العمومية، حيث يركز هذا النهج على مراعاة مبادئ الفعالية والكفاءة وجودة الخدمة العمومية، من أجل الوصول إلى أفضل النتائج بأقل التكاليف . كما يسعى التسيير العمومي الحديث إلى الرقي بأعمال الحكومة ونشاط الإدارة لجعلها أكثر كفاءة وفعالية، وتقديم خدمات ذات جودة من خلال إدخال المنطق الاقتصادي واستنساخ تقنيات التسيير المتبعة في القطاع الخاص للتخفيف من حدة البيروقراطية . ومن بين المبادئ الأساسية لهذا النهج: الابتعاد عن الهرمية الكبيرة ومركزية الخدمة العمومية عبر استبدال الهياكل التقليدية بأنظمة حكومية غير مركزية، وزيادة الاهتمام بكفاءة الخدمات من خلال وضع أهداف خاصة بالإنتاجية وتبني مفهوم المنافسة، وتبني ممارسات الإدارة المطبقة في القطاع الخاص مثل إدارة الجودة الشاملة والقيمة مقابل النقود وقياس الأداء والحوافز، والانتقال من التحكم في المدخلات والإجراءات والأنظمة باتجاه قياس المخرجات، وتفضيل الملكية الخاصة وأسلوب التعاقد للخدمات العمومية واتباع أسلوب المنافسة، وتفويض الصلاحيات والسلطات للمستويات الإدارية الدنيا . إلى جانب هذه المبادئ، ترتكز حوكمة الجهات العامة على مبادئ الإفصاح والشفافية والنزاهة والعدالة والمساءلة والاستدامة، للحد من استغلال السلطة لأغراض خاصة . كما تشمل مبادئ تسيير المؤسسات العمومية مبدأ المساواة، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومبدأ المصداقية والنزاهة، ومبدأ المشاركة، وهي مبادئ تزيد الشفافية وتضمن الاستخدام الفعال للموارد تماشياً مع توصيات المؤسسات المالية الدولية . من جانب آخر، يرتكز إصلاح الإدارة على ثلاثة مبادئ أساسية: مبدأ الجودة المتعلق بتحسين الخدمات العمومية، ومبدأ الكفاءة المرتبط بتأهيل الموارد البشرية وتطوير الكفاءات، ومبدأ المصلحة العامة المتمثل في رعاية المرفق العام والاستجابة لتطلعات المواطن والمقاولة . وتتبع هذه الإصلاحات منهجية تشمل الحوار والتشاور، وإشراك المرتفقين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في مسار الإصلاح، واعتماد واستثمار التجارب النموذجية لتحسين الخدمات العمومية ورقمتنها، وتشجيع التدبير على أساس تحقيق الأهداف والنتائج، والتعاقد والتتبع والتقييم، واعتماد استراتيجية لتواصل الإدارة مع المجتمع . ويستند هذا البرنامج الإصلاحي إلى أربعة تحولات أساسية: التحول الإداري (الأساليب التدبيرية الحديثة للموارد البشرية والأنشطة)، والتحول الرقمي (الآليات التكنولوجية الحديثة للخدمات الرقمية المشتركة)، والتحول التخليقي (ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والأخلاقيات المهنية)، والتعاون الدولي لاستلهام أفضل الممارسات . كما تحدد مذكرة "البنك الدولي" سبعة عوامل نجاح لإدارة الأداء في الإدارة العمومية: البدء من الأعلى، ومواءمة الأهداف التنظيمية والفردية، وتكييف التقييم مع خصائص المؤسسة، وتحسين حكم المدير بتنويع مصادر المعلومات، وتحفيز الموظفين بالحوافز внутренية والخارجية، وتمكين الموظفين بفرص النمو، وتضمين إدارة الأداء في ثقافة المنظمة . وتؤكد هذه العوامل على أن الإصلاح (لا يقتصر على تغيير الهياكل، بل يتطلب تغييراً ثقافياً وتنظيمياً متكاملاً .
التقنيات والأدوات الداعمة
تُظهر الدراسات الحديثة أن التقنيات الناشئة تعيد تشكيل الفضاء الإداري وتوفر إمكانات جديدة لدعم صنع القرار ومؤشرات الأداء. وقد أشارت مراجعة علمية systematic review إلى أن أدوات مثل إدارة العمليات، وإدارة النتائج، والحكومة الإلكترونية، وتقنية البلوك تشين، والذكاء الاصطناعي، والحكم اللامركزي، والحكومة المفتوحة تُستخدم بشكل متزايد في إطار modernization of public management . وتُبرز المراجعة نفسها عوامل تنظيمية جوهرية تشمل الأخلاق العامة، والمشاركة المدنية، وتعزيز المواهب البشرية، وتطوير الكفاءات الرقمية . ومع ذلك، لا تزال القيود القائمة قائمة، أبرزهاExecution budgetary، ومقاومة التغيير، وضعف التوافق التقني، والفجوة الرقمية . وتُعَد خدمات e-government مثل "أبشر" نموذجاً للخدمات الإلكترونية الحكومية المتطورة باستمرار، حيث تسهم في توسيع نطاق تقديم الخدمات وتعزيز الكفاءة . كما تؤكد الأدبيات أن التقنيات الحديثة مثل إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وذكاء الأعمال، وأتمتة العمليات التجارية تخلق واقعاً إدارياً جديداً يفرض نفسه على المنظمات، مما يستوجب منها إيجاد سبل لاستيعاب هذه المستجدات ورفع التحديات . وتُ framing modernisation within the EU toolbox as a continuous process reliant on suitable tools to achieve better outcomes، بما في ذلك تصميم الخدمات وتقديمها بطريقة تركز على المستخدم . وتُشير مراجعة الأدبيات إلى أن الانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على الانضباط الشكلي إلى الإدارة القائمة على الكفاءة وقياس الأداء والجودة يُعد محوراً مركزياً في إصلاح الإدارة العمومية . وتكتمل هذه الصورة بالتركيز على أن طرق التدبير الحديثة، من أبرزها التدبير بالجودة الشاملة، والتكوين المستمر، والتدبير البشري التوقعي، تشكل ركيزة أساسية لتمكين الإدارة من مواكبة التحولات المعاصرة وضمان مرونتها وقدرتها على التكيف . ورغم هذه الإمكانات، إلا أن الأدبيات تنبه إلى أن الإصلاح يواجه تحديات مستمرة تتعلق بالموارد، ومقاومة الهياكل البيروقراطية، وضعف التكامل بين الأنظمة التقنية .
أسئلة مفتوحة
- كيف يمكن الموازنة بين مبادئ التسيير العمومي الجديد والخصوصيات الثقافية والمؤسسية لكل مجتمع؟ - ما هي الآليات الفعالة لمقاومة التغيير المؤسسي في ظل الفجوة بين الطرح النظري والتطبيق الفعلي؟